Wednesday, March 08, 2006

عندما تكون المدينة هي العالم، يكون تغير المدينة هو نهاية العالم


في أخبار الأدب يكتب الفنان عادل السيوي عن حسن سليمان وعن أمه وعن القاهرة التي لم نعد نتعرف عليها في المدينة التي نعيشها.

لم أقابل عادل السيوي ولكن أشعر أحياناً أنني أعرفه. منذ سنوات ذهبت الى معرض له في قاعة مشربية التي تملكها وتديرها زوجته. وقتها كنا أنا وصديقتي نلتهم الفن ووسط البلد. نذهب الى المعارض ثم نعرج على شيزا بحثاً عن أومليت بالجبن والمشروم وكابوتشينو، طقوسنا التي تخلت عنا وتخلينا عنها وربما عن جزء من صداقتنا معها. اشتريت بوستر المعرض وعلقته عالياً على حائط غرفتي في المنزل. اسم اللوحة المصورة على البوستر <<صباح الخير>>. عندما أقصى عن غرفتي لفترات طويلة وتوحشني أتذكر تلك اللوحة البوستر وأفكر بها وبالسجادة المفرودة في وسط الغرفة. اللوحة مليئة بالحركة، وبها جني يخرج من القمقم. ألوانها داكنة وحالمة، تذكر بالنوم ولكن في نفس الوقت الفوضى والحركة العارمة والجني يذكرون باحساس القيام من النوم، الهبًّة التي تعتري المرء عندما تعود له روحه، ربما، عندما يعود للحياة مرة أخرى ويصحو على هذا العالم. والجني جني بالطبع؛ كبير وعظيم وقوي، ينفجر بقوة هي قوتي وقوتك عند القيام من النوم. كلنا نصحو من النوم جن، ولو لثوان، ثم يحدث لنا شئ ونصير بني آدمين مرة أخرى؛ شئ ما يحدث في المكان/الثواني تلك التي تقوس النوم والصحيان- فترة الما بين. أن تتذكر الجن الذي بداخلك هو أن تخاطر أن تحلم وأن تنفجر بكل طاقتك المحفوظة داخلك. والجني هو أيضاً الرجل الذكر في كامل قوته وهيبته وانتصابه.عندما أحن إلى حياتي التي كنت أعرفها، أفكر في اللوحة المعلقة على حائطي وأفتقدها و — أحياناً — أبكي أيضاً.

يكتب عادل السيوي عن أمه وعن حسن سليمان. بالطبع لن ألخص هنا ما كتبه. فهو يستطيع أن يرسم بالكلمات أيضاً. ولكن من الأفكار الملفتة التي يشير اليها في مقاله، فكرة تولدت في نقاش مع حسن سليمان وهي أن <<من يشاهد زوال عالمه يعتقد أن الكون كله لابد وأن ينتهي معه.>> فكرة ربما ليست جديدة ولكنها عبقرية. تقرأها وتحس أنها فكرة خطرت لك من قبل، تعرفها بديهياً ولكنها فجأة تفسر لك أشياء اخرى كثيرة، كالمفتاح المنسي في درج المكتب؛ يفتح صندوقاً منسياً بدوره في مكان آخر.

ترتبط هذه الفكرة بأفكار نهاية العالم بشكل عام، والتي تتكرر في الثقافات المختلفة من آن لآخر. عندما يشعر جمع من الناس، مجتمع ما، بعدم الأمان، يشعر بالتهديد، يشعر أن حياته التي يعرفها تتغير بأسرع من قدرته على التكيف، يشعر أن عالمه ينتهي. وهنا، ربما، تبدأ أفكار القيامة ونهاية الدنيا في الانتشار. الأفكار قديمة ولكنها تتكرر في دورات متعاقبة. هل نمر بفترة شبيهة الآن؟ هل يجعل التغير السريع الذي يحدث في المجتمع الانساني الناس يشعرون بعدم الأمان ويتجهون لأفكار <<خذعبلية>> في مجملها عن القيامة وعذاب القبر ونهاية العالم التي ستأتي غداً؟ ربما... عندما تتغير المدينة التي هي عالمنا، القاهرة التي نسميها مصر ونسميها البلد ونسميها البيت فنقول <<حروَّح في الأجازة>>بمعنى سأذهب إلى القاهرة، عندما تتغير هذه المدينة المحورية، هل ينتهي العالم؟

يضع عادل السيوي سبابته على نبض المدينة في هذه المقالة. التغير الذي يحدث في القاهرة ليس فقط تغير في المعمار والشكل، على صدمته وقباحته. ولكن التغير الأكبر هو في أساليب الحياة داخل المدينة، ما يشير اليه الناس عادة بالقيم. يقولون القيم تغيرت والدنيا لم تعد بخير. القيم تغيرت فعلاً بمعنى أنك لا تستطيع أن تعرف بحق ومسبقاً ما يمكنك أن تتوقع من الآخرين، المعايير المتفق عليها وأساليب فعل الاشياء تتغير دون أن تدري. فتفاجأ، مثلا، الست أم عادل أن جارتها ممكن جداً أن تقترض منخلاً ثم لا تعيده لها بل وتنكر أنها اقترضته. <<عادي جداً>>، أصبح <<عادياً جداً>>. وتفاجأ أنت، مثلاً، أن الاشياء كما فهمتها لها معان أخرى عند الآخرين لم يفسروها لك، أن الوعد والحلم ورقص الاصابع في قبضة اليد وقيادة السيارة الى كورنيش المعادي لها معانٍ غير التي تخيلتها عندما فعلت هذه الأشياء، أن معاني الأشياء تتغير وأنت تفعلها ولا أحد يقول لك! تفاجأ أن القيامة على وشك أن تقوم فعلاً. عوالم تموت وعوالم أخرى تحيا مكانها.

هناك حزن ما في النوم، أليس كذلك؟ استسلام ما... يسلم المرء وعيه ويستسلم للعالم الآخر. ما يهون النوم ويجعلنا نَحِنُ له أحياناً هو القيامة؛ هو وعد القيامة وانفجار الجني من قمقمه مرة أخرى
.
تصبحون على مدينة جديدة، وأصبح أنا على مطر...

6 Comments:

Blogger moe said...

سعيد بعودتك الي التدوين اخيرا,افتقدت مشاراكاتك,لا تنقطعي

Tuesday, May 23, 2006 3:05:00 PM  
Blogger إبراهيم السيد said...

"عوالم تموت وعوالم أخرى تحيا مكانها"

مدينة أخري تتشكل
هنا القاهرة ، حيث يحرك "سعد الصغير " مع مؤخرته عقول الأمة ............. هنا طنطا ، حيث يحرك الإخوان الناس مع حبوب مسابحهم
هنا المعادي ،
الناس خائفة من السفاح و تلعن البنطلونات الجينز........

آسف ..... أوجعني البساطة في ما كتبت

كنت أقرأ منذ قليل " الأعمال الكاملة لأونجاريتي ، ترجمة عادل السيوي ... صدفة .....

كل الود

Saturday, January 20, 2007 6:29:00 PM  
Blogger حسن ارابيسك said...

كمو هو جميل أن نتعانق مع الأشياء التي نُحبها مثل الأمكنة والأزمنة ولكن المشكلة هي عدم إستعدادنا وتقبلنا للتغير الذي سوف يحدث يوماً لكل هذه الأشياء التي نحبها رغماً عنا بل ونلتفت لتغيُر تلك الأمكنة والأزمنة ولا نلتفت أو ننسى أننا أيضا نتغير وتغيرنا وسنظل نتغير إنها حالة من التوازي جنباً إلى جنب فلم يعد الحي هو الحي ولا المدينة هي نفس المدينة ولا الأصدقاء هم نفس الأصدقاء وإن ظلوا ولا أقصد تغيير الأشخاص فقط ولكن التغير في مع وجود نفس الأشخاص فهو لم يعُد هو وانا لم أعُد أنا
فنحن وكل ما حولنا في حركة مستمرة التغير والتبدل والتحول، فتتغير فينا الملامح كذلك تتغير الأمكنة وكل شئ عشقناه لم يعد كما هو، وهنا تتغير حالة الألم من شخص لأخر حسب تركيبته

وقد كتبت في موضوع قريب من هذا ولكن بنظرة أخرى وتعانق من نوع أخر ربما هو تعانق مع زمن لم أعشه
وذلك في بوست موزاييك الأمكنة والزمان
في مدونتي
لذلك أتمنى تشريفك لي في مدونتي الجديدة اللي ها تنور بيكي إن شاء الله

Wednesday, June 13, 2007 4:30:00 PM  
Blogger حسن ارابيسك said...

إليكي مدونة شاعر تستحق الزيارة

Friday, June 15, 2007 1:20:00 PM  
Blogger حسن ارابيسك said...

إليكي مدونة شاعر تستحق الزيارة
http://mosaiiic.blogspot.com/

Friday, June 15, 2007 1:20:00 PM  
Anonymous Anonymous said...

بسم الله الرحمن الرحيم .الاخ ابن بطوطة .يقولون من احبه الله اراه ملكه .وانا اقول من راى ملك الله على الارض فليعلم ان الجنة مالا عين رات ولااذن سمعت ولاخطر على قلب بشر .فالارض عينات من الجنة وتخيلوا نعيم الاخرة واعملوا له .جعلنا الله من اهلها .اللهم امين

Sunday, May 19, 2013 2:32:00 PM  

Post a Comment

<< Home